عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

624

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

فاقتضت حكمةُ الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه : بأن نصب للناس أئمة مجتمعًا عَلَى علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية المقصودة في مرتبة العِلْم بالأحكام والفتوى ، من أهل الرأي والحديث . فصار الناس كلُّهم يعولون في الفتاوى عليهم ، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم . وأقام الله من يضبط مذاهبهم ويحرر قواعدهم ، حتى ضُبط مذهبُ كل إمام منهم وأصوله ، وقواعدُه وفصوله ، حتى تُرد إِلَى ذلك الأحكام ويُضبط الكلامُ في مسائل الحلال والحرام . وكان ذلك من لُطف الله بعباده المؤمنين ، ومن جُملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين . ولولا ذلك : لرأي النَّاسُ العجبَ العُجاب ، من كلِّ أحمق متكلِّف مُعجبٍ برأيه ، جريء عَلَى الناس وثَّاب . فيدَّعى هذا أنَّه إمامُ الأئمة ، ويدَّعي هذا أنَّه هادي الأمة ، وأنَّه هو الَّذِي ينبغي الرجوعُ دون الناس إِلَيْهِ ، والتعويل دون الخلق عليه . ولكن بحمد الله ومنته انسدَّ هذا الباب الَّذِي خطرُه عظيم وأمره جسيم ، وانحسمت هذه المفاسدُ العظيمة وكان ذلك من لُطف الله تعالى لعباده وجميل عوائده وعواطفه ( الحميمة ) ( * ) . ومع هذا فلم يزل يظهر من يدَّعى بلوغَ درجة الاجتهاد ، ويتكلّم في العِلْم من غير ( تقليدٍ لأحد ) ( * * ) من هؤلاء الأئمة ولا انقياد . فمنهم من يسوغ له ذلك ؛ لظهور صدقه فيما ادّعاه ، ومنهم من ردَّ عليه قوله وكُذِّب في دعواه . وأمَّا سائرُ الناس ممن لم يصل إِلَى هذه الدرجة فلا يسعهُ إلا تقليدُ أولئك الأئمة ، والدخول فيما دخل فيه سائرُ الأمة .

--> ( * ) الرحيمة " " نسخة " . ( * * ) تقيد بأحد : " نسخة " .